الكرة افيون العرب!


لعل مخترع لعبة كرة القدم، اللعبة التي صارت الأكثر شعبية عبر العالم، كان هدفه هو المتعة و التسلية و تزجية وقت الفراغ، لكن مع مرور الوقت، و تطور اللعبة، و قيام مقاولات التي هي الأندية الكبرى، تتصرف في ميزانيات ليست بالقليلة، و ارتفاع قيمة اللاعبين الموهوبين في اللعبة، و ظهور اعمال و وظاءف موازية مع اللعبة، و نشوء مؤسسات رسمية باغلب البلدان تعنى بكرة القدم، و تنظيم بطولات محلية و قارية و عالمية، اخذت اللعبة منعطفا اخر، خصوصا بعد دخول السياسة بشكل من الاشكال، مجال اللعبة، حيث اصبحت الدول تخصص ميزانيات لا باس بها لتطوير اللعبة لديها، و فرض حضورها في الملتقيات القارية و العالمية.

الا انه مع الاسف، في الدول المتخلفة اصبحت اللعبة وسيلة من الوسائل المهمة في تخدير الشعوب و الهاءها عن المشاكل الأساسية التي تعاني منها تلك الشعوب من جهل و أمية و فقر و مرض و تخلف على كل المستويات.

و اذا نظرنا الى بعض وسائل الإعلام العربية حاليا (خاصة دول مصر و تونس و الجزائر و المغرب و موريتانيا المشاركة في البطولة باعتبارها تقع في شمال القارة السمراء)، في مواكبتها لبطولة افريقيا هذه الايام المنظمة بدولة ساحل العاج، و التي ستستمر الى اواسط شهر فبراير المقبل، نرى العجب العچاب، حيث تخصص مچموعة من المحطات التلفزية تخصص فترات زمنية مهمة، و تنظم برامج حوارية تستدعي لها رياضيين و صحافيين من اجل الكلام و تحليل مجريات المباريات التي تخوضها فرقهم الوطنية، و ترى الحماس و العواطف الچياشة تخيم على المتدخلين تجاه منتخباتهم الوطنية، و الجانب التقني الذي خيم على مجريات المقابلات، و ما يثير الدهشة هو ان كل هذا يجري و القتل و التدمير ما زالا يخيمان على ما تبقى من قطاع غزة الجريحة، و كان بطولة إفريقيا اهم من الدم الفلسطيني، و من شرف و كرامة الأمة (يا أمة ضحكت من هوانها الأمم).

و بعد حصول بعض المنتخبات العربية الافريقية على نتائج هزيلة في هذه الدورة، كثر البكاء و العويل، و كيلت الاتهامات بالكولسة و التامر، و صب جام الغضب على الاطقم التقنية و بعض اللاعبين، و على الخيارات التكتيكية التي تم اعتمادها.

كل هذا الصداع و كان الشعوب تعيش في رغد من العيش، لا تشكو من نقص في شيء من مقومات عيشها.

يقول د. المهدي المنجرة رحمه الله: "ان تفوز على مصر لا يختلف ان تفوز هي.. و كذلك مع الجزائر و تونس، فلا فائدة من كثرة الغليان و التشاحن .. فنحن جميعا متعادلون في التخلف و الأمية و الجهل و ضعف الصحة و انتشار البطالة و تبذير الثروة و ما خفي اعظم.. كرة القدم مجرد لعبة و ليست من بنود التطور او مؤشرات التنمية البشرية المعروفة بتحديد 

من طرف الأمم المتحدة، و هي الصحة و التعليم و الدخل الفردي او مستوى عيش السكان".

فزنا في المباريات او لا، و لو فزنا بالكاس او البطولة ام لا، فلن يغير ذلك من واقعنا المر شيء، فهناك بعض الدول في عالمنا العربي مهدد اقتصادها بالانهيار، و شعوبها بالمجاعات، و مع ذلك محطات التلفزة تعقد لقاءات لمناقشة و تحليل المباريات الكروية بكثرة الكلام و اللغط، و نقل صور الشباب الغاضب على منتخبه المقصي، و اغفال المشاكل الحقيقية للشعوب التي تكتوي بنار الغلاء و ضعف المدخول.. افليس الكرة افيون الشعوب؟! لكن الشمس لا تغطى بالغربال..


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-